سيد محمد طنطاوي

105

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وجئ بها هنا لزيادة التعجيب من حال الإنسان ، لأنه كان المنتظر منه بعد أن خلقه اللَّه - تعالى - بقدرته ، ورباه برحمته ورعايته ، أن يشكر خالقه على ذلك ، وأن يخلص العبادة له ، لكنه لم يفعل ما كان منتظرا منه ، بل فعل ما يناقض ذلك من الإشراك والمجادلة في أمر البعث وغيره . وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله - تعالى - : ولَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ، وكانَ الإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا « 1 » . وقوله - تعالى - : ويَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه ما لا يَنْفَعُهُمْ ولا يَضُرُّهُمْ ، وكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّه ظَهِيراً « 2 » . وبعد أن بين - سبحانه - ما يدل على وحدانيته وقدرته عن طريق خلقه للسموات وللأرض وللإنسان ، أتبع ذلك ببيان أدلة وحدانيته وقدرته عن طريق خلق الحيوان فقال - تعالى - : * ( والأَنْعامَ خَلَقَها ، لَكُمْ فِيها دِفْءٌ ، ومَنافِعُ ، ومِنْها تَأْكُلُونَ ) * . والأنعام : جمع نعم ، وهي الإبل والبقر والغنم ، وقد تطلق على الإبل خاصة ، . وانتصب الأنعام عطفا على الإنسان في قوله : * ( خَلَقَ الإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ ) * ، أو هو منصوب بفعل مقدر يفسره المذكور بعده . أي : وخلق الأنعام خلقها . والدفء : السخونة . ويقابله شدة البرد ، يقال : دفئ الرجل - من باب طرب - فهو دفأ - كتعب - ودفآن ، إذا لبس ما يدفئه ، ويبعد عنه البرد . والمراد بالدفء هنا : ما يتخذ من أصواف الأنعام وأوبارها وأشعارها لهذا الغرض . وعطف « منافع » على « دفء » من باب عطف العام على الخاص ، إذ المنافع تشمل ما يستدفأ به منها وغيره . وخص الدفء بالذكر من عموم المنافع ، للعناية به وللتنويه بأهميته في حياة الناس . أي : ومن مظاهر نعم اللَّه - تعالى - عليكم - أيها الناس - ، أن اللَّه - تعالى - خلق الأنعام ، وجعل لكم فيها ما تستدفئون به ، من الثياب المأخوذة من أصوافها وأوبارها وأشعارها ، فتقيكم برودة الجو وجعل لكم فيها منافع متعددة ، حيث تتخذون من ألبانها شرابا سائغا للشاربين ، ومن لحومها أكلا نافعا للآكلين .

--> ( 1 ) سورة الكهف الآية 54 . ( 2 ) سورة الفرقان الآية 55 .